يحيي بن حمزة العلوي اليمني

70

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز

موجب الصبر ، ثمرة النصر ، إلى غير ذلك ولا يكاد يوجد إلا على القلة في كلام الفصحاء ، والقرآن يوجد فيه كثير ، وما ذاك إلا لأنه قد حاز معظم البلاغة . المثال الخامس ما ورد فيه من المنظوم وهذا كقول السموأل بن عادياء الغساني « 1 » : وإن هو لم يحمل على النفس ضيمها * فليس إلى حسن الثناء سبيل فهذا البيت قد اشتمل على مكارم الأخلاق من سماحة ، وشجاعة ، وتواضع ، وحلم ، وصبر ، وتكلّف ، واحتمال المكاره ، فإن هذه الأمور كلها مما تضيم النفوس لما يحصل في تحملها من المشقة والعناء ، ومن ذلك ما قاله أبو تمام : وظلمت نفسك طالبا إنصافها * فعجبت من مظلومة لم تظلم وأراد بقوله : ظلمت نفسك طالبا إنصافها ، أنك أكرمتها على تحمل الأثقال في مشاق الأمور ، فإذا فعلت ذلك فقد ظلمتها ، ثم إنك مع ظلمك إياها فقد أنصفتها ؛ لأنك جلبت إليها أشياء حسنة تكسبها ذكرا جميلا ، ومجدا مؤثّلا ، فكنت منصفا لها في صورة ظالم ، ومعنى قوله فعجبت من مظلومة لم تظلم ، أنك ظلمتها وما ظلمتها في الحقيقة ، فقد أعجب في بيته هذا بجمعه فيه بين النقيضين الظلم ، والإنصاف كما ترى ، ولنقتصر على هذا من حقائق الإيجاز ففيه كفاية .

--> ( 1 ) البيت للسموأل في ديوانه ص 90 ، والدرر 1 / 199 ، وله أو للجلاح الحارثي ( عبد الملك بن عبد الرحيم ) في شرح ديوان الحماسة للمرزوقى ص 111 ؛ والمقاصد النحوية 2 / 77 ؛ وهمع الهوامع 1 / 63 ، 2 / 59 .